![]() |
أتحفنا (علماء) وزارة الداخلية ببيان جديد لمناصرة العريفي في موقفه التكفيري بعنوان (بيان العلماء في مناصرة الشيخ العريفي) وقد نشره موقع (المسلم) اليوم 10 صفر 1431هـ (الموافق 26 يناير 2010) والذي يشرف عليه ناصر العمر، أبرز صقور البيانات الطائفية والتكفيرية، ووقّع عليه أربعون قاضياً وداعياً وخطيباً وبعضهم مازال يعمل في مناصب رسمية. لم تبرح بيانات هذه الزمرة لغة التكفير التي ما فارقت بياناتها التي تصدر تباعاً منذ سنوات منذ أن انعقدت أولى جلسات الحوار الوطني في 2003، والذي عجز الملك عن لجم الطيش الطائفي الذي تقدح شرارته وزارة الداخلية.
بيان منفلت من عقال الحكمة، ورباط الورع، فقد تحرّر معدّوه من أي وازع أخلاقي أو ديني، كقولهم (فإن أعداء الإسلام من الكفار والمنافقين ما يزالون يجلبون بخيلهم ورجلهم للكيد لهذا الدين وأهله). واعتصم معدّو البيان برؤية نمطية متحجّرة، وأحكام جماعية عكف البيانيون على ترديدها بعماء كقولهم (الرافضة الذين يقولون بتحريف القرآن، ويكفرون الصحابة ويلعنونهم وخاصة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين، ويرمون عائشة بما برأها الله منه رضي الله عنها، ويكفرون أهل السنة قاطبة ويستبيحون دماءهم كما حصل في العراق وإيران، ويعبدون القبور،إلى غير ذلك من العقائد الضالة)، هذا كله، وفيهم (قضاة) أوكل إليهم تطبيق عدالة السماء في الأرض، وإذا بهم ينتقون ما يروق لهم من تراث الأقدمين، وتناسوا عن سابق تصميم وإصرار أن تراث المسلمين قاطبة مليء بالغث والسمين، وهم من يلوذوا حين المحاجّة في خلافات التاريخ وما شجر بين الصحابة بالدليل (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانون يعملون). ولكن أبى البيانيون إلا الإفتراء أو الانتقاء من تراث الأقدمين ما يثير الضغائن ويشعل نيران الفتن الذي باتوا يحتكرون امتيازها.
إن إصرار البيانيين على مصادرة حق الله سبحانه وتعالى في سبر النوايا، وتفتيش المعتقدات، ظناً منهم بوجاهة اقتفاء أصول الاعتقاد التي تجيز لهم الحكم بإيمان هذا وكفر ذاك، ونسوا قبل ذلك وبعده القاعدة القرآنية (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون)، فقد تكرّرت كلمة (تبيّنوا) مرتين في الآية الكريمة تشديداً على النأي عن الخوض في النوايا، والتوقّف عن إطلاق الأحكام ذات الصفة الجماعية، أضف إلى ذلك قوله تعالى (تبتغون عرض الحياة الدنيا)، إذ لم يكن منطلق فعل من نزلت الآية فيهم وهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله إيمانياً، بل كان لأغراض دنيوية خالصة، وذكّرهم سبحانه وتعالى بما كانوا عليه من قبل (كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم).
فهل محّص هؤلاء ألفاظ بيانهم وما انطوى عليه من أحكام، قبل أن يخبطوا خبط عشواء. والتزاماً منا بالرد على ماورد في البيان من مزاعم وأباطيل، لإقامة الحجة على (علماء) وزارة الداخلية، نقول ما يلي:
ـ ذكر البيانيون بأن الشيعة يقولون بتحريف القرآن. وهنا نذكر نص جما جاء في مقدمة كتاب (التبيان في تفسير القرآن) للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385 ـ411هـ) وهو الموقف الذي عليه الشيعة عامة:
(وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به أيضاً، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها. والنقصان منه، فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح في مذهبنا وهو الذي نصره المرتضى (ره) وهو الظاهر في الروايات)، وأضاف (غير أن رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة (أي الشيعة والسنة) بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، طريقها الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً، والأولى الإعراض عنها، وترك التشاغل بها..وروايتنا متناصرة بالحث على قراءته والتمسك بما فيه، وردِ ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه). وهذا هو مذهب المسلمين الشيعة ومن شذّ لا يعتدّ به والشاذ نادر ومهمل.
ـ ذكر البيانيون (تكفير السيستاني للإمام محمد بن عبد الوهاب): ولا نعلم للسيد السيتاني فتوى في هذا الشأن، بل إن ما هو ثابت في مصادر الدولة السعودية هو تكفير محمد بن عبد الوهاب لأجداد الموقّعين على البيان، ومنها ماورد في كتاب حسين بن غنام (روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام، مطبعة الحلبي مصر 1368هـ ج1 ص 146) حيث جاء في رسالته إلى علماء العارض قدح وذم في عقيدة آبائهم وقال (..فمن زعم من علماء العارض أنه عرف معنى لا إله إلا الله أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت ـ أي قبل زمان ظهوره ـ أو زعم عن مشايخه أن أحداً عرف ذلك فقد كذب وافترى ولبس على الناس ومدح نفسه بما ليس فيه). وكتب إلى علماء الدرعية ما هو أشد قسوة وخاطبهم قائلاً (وأنتم ومشائخكم ومشايخهم لم يفهموا ولم يميزوا بين دين محمد ودين عمرو بن لحي الذي وضعه للعرب..)(إبن غنام، ج1 ص 155) وبن لحي هو من أول من جلب الأصنام من بلاد الشام إلى مكة في زمن الجاهلية. ووصف أهل شقراء قبل زمانه بأنهم في جاهلية، وأن الله سبحانه وتعالى إنما هدى أهل نجد به (فالرجل الذي هداكم الله به ـ في إشارة إلى نفسه ـ لهذا إن كنتم صادقين لو يكون أحب إليكم من أمولكم لم يكن كثيراً)، وفي ذلك استحضار لنزعة رسولية ضارية، وكذلك جاء في رسالته إلى أهل الرياض ومنفوحة (فاتقوا الله عباد الله ولا تكبروا على ربكم ولا نبيكم وأحمدوه سبحانه الذي منّ عليكم ويسّر لكم من يعرفّكم بدين نبيكم) إبن غنام، ج1 ص 146.
هذا غيض من فيض رسائل وكتب صدرت عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأبنائه وأحفاده، في القديم والجديد، ما هو ثابت في مراجع الدولة السعودية وقد طبع كثير منها بأموال الأمراء، ومنها ماجاء في (الدرر السنية في الأجوبة النجدية) والذي يشتمل على مجموع رسائل ومسائل علماء نجد من عصر ابن عبد الوهاب الى تاريخ طباعة الكتاب الذي جمعه عبد الرحمن النجدي، رغم الحذف والإضافة في الطبعات اللاحقة.
ـ زعم البيانيون بأن السيستاني استباح دم أهل السنة في العراق (واستباحته دماء أهل السنة في العراق)، وقد انفردوا في دعواهم هذه دون بقية شعوب الأرض، فمن أين جاءوا بالإفك، ومتى حدث أن استباح السيد السيستاني دم أحد، ولو كان له فتوى بذلك لما قصّر هؤلاء في نشرها وغمروا بها كل مواقع الإنترنت، وهم من هم في التربّص والتصيّد وتحريف الكلم عن مواضعه. على العكس من ذلك، هناك من أثنى على السيد السيستاني لموقفه التقريبي، وتحريمه التقاتل بين المسلمين، فكان يوصي بحقن الدماء على قاعدة وحدة الدين والشعب، وقال لأتباعه وزوّاره: لا تقولوا إخواننا السنة بل قولوا أنفسنا، ولم يكن في قوله تقيّة، كما يحلو للعقل المأزوم تصويره. وعلى العكس أيضاً، هناك ما ينهض دليلاً بعد آخر على ضلوع أمثال هؤلاء في فتاوى تكفير وسفك دم العراقيين بما فيهم بيانهم الأخير، وقد أقرّ وزير داخلية هؤلاء العلماء قبل سنتين حين أوصاهم بمراقبة كلامهم بعد أن تحوّل بعض الشباب إلى قنابل بشرية في العراق بفعل فتاوى تصدر من نجد دون سواها من بلاد المسلمين.
أما بقية الإفتراءات فلا تستحق الرد لأن ما فيها ينمّ عن أزمة وعي ديني لدى هؤلاء الذين يعتاشون على النزاع، ويسؤوهم التوحّد والتقارب بين المسلمين، فقد نذروا أنفسهم لسحب الأمة الى القعر، تلبية لتطلعات من أوعزوا إليهم بتجنيد طاقاتهم لإصدار مثل تلك البيانات الموتورة والعقيمة، لمشاغلة الأمة عن قضاياها المصيرية.
إن توظيف الآيات الكريمة في بيانات التكفير ليست سوى تعبير عن مأزق يعيشه هؤلاء، فلا حجّة لديهم سوى أن يقحموا كلام الله عزّ وجل في صراعاتهم، توهّماً منهم بأنهم قد تمسّكوا بزمام الحقيقة المطلقة.
ونقول لهؤلاء بأن زمن البيانات الكيديّة والطائفية قد أدبر، ولم يعد يخيف أحداً، وأبلغوا من أوغر صدوركم كيما تصدروا البيان تلو الآخر بأن الزمن قد تبدّل وعمّا قريب سنشهد بإذن الله أفول الطائفية التي انفردت هذه الدولة بها دون بقية دول المسلمين. ومثل العريفي ومن ناصره إلا (كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه).
