![]() |
وفي المقدمة التي وضعتها الدكتورة مي يماني، للطبعة الثانية من كتابها «هويات متغيرة»، الصادرة في الشهر الأول من العام 2010، لم تكتف الباحثة بتصوير التحولات في حياة الجيل السعودي الجديد منذ صدور طبعة الكتاب الأولى في العام 2001، نتيجة الأحداث السياسية والتطورات التكنولوجية، بل جهدت في نقل ملامح الخطوط الأساسية التي تقيّد ديناميكية الهوية الشبابية السعودية، مقدمة في الوقت نفسه لاتجاهات الضغط نحو كسر هذه القيود.
«آل سعود، الذين اعطوا اسمهم للبلاد في العام 1932»، والذين اقترنوا بالوهابية مذهبا، سعوا كما تشرح يماني، إلى «تطابق قوي في الهوية مع رعيتهم» التي تشكل في الواقع تنوعا مذهبيا وثقافيا «رفض النظام الاعتراف به»، معتمدا في منهجيته على «التفتيت» من جهة، عبر «ضبط درجة العداء» بين المذاهب الدينية والتيارات الاجتماعية المختلفة، وعلى استمداد شرعيته من سدانته للاماكن الإسلامية المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وترسيخها من خلال المناهج التعليمية التي «يطغى عليها الخبراء الدينيون» الوهابيون، و«نظام الرعاية الاقتصادية» القائم على عائدات النفط، والضبابية في «القوانين غير المكتوبة» الضابطة لعمليات التمثيل والخلافة السياسية.
يصطدم الشباب السعودي إذاً، في الدرجة الأولى، باندراج انتمائه المناطقي والمذهبي، ضمن «هرمية»، رأسها للنجديين، يليهم الحجازيون، وقاعدتها الأكثر تهميشا، شيعة المناطق الشرقية والقبائل الجنوبية في عسير، لاسيما الاسماعيلية منها. وتحول هذه الهرمية دون قدرة الفرد على الانتماء لثقافة جامعة تحتضن سائر فئات «الأمة»، كما تخنق الطموحات المهنية والاجتماعية في الدائرة المفرغة للمحسوبية والمحاباة. اما محاولات الدمج الثقافي عبر البحث عن الهوية المشتركة ـ التي من المفترض أن تكون مساحتها كبيرة، كون كل الفئات عربية ومسلمة ـ كمثل الحوار الوطني الرسمي الذي أطلق في العام 2004، فقد جاءت حصيلتها «نتيجة عملية لسياسة فرّق تسد التي ينتهجها آل سعود»، بمجموعة من «الخطابات الرنانة» لا تروي ظمأ.
ديناميكية التطور الفكري والاقتصادي والاجتماعي، التي من شأن المناهج التعليمية أن توفرها للمجتمع بشكل طبيعي، تقيّدها اليد الثقيلة للمذهب الوهابي الرسمي على المنهج الديني، الذي تشكل مواضيعه «نصف المنهج الوطني كله تقريبا» ما يمنع الجامعات من انتاج متخرجين يحملون مهارات ومعارف تحتاج اليها البلاد، ومن خلق مساحة حقيقية للحوار الفكري الحرّ. ناهيك بممارسات الفصل الجنسي، وطائفية المناهج الدينية، وهما عاملان يؤديان إلى مزيد من التقوقع الفئوي، وغياب التواصل، بين المرأة والرجل من جهة، وبين المذاهب من جهة أخرى.
وفي ظلّ هذه الجدران الصلبة التي تقطع دابر التبلور لهوية الشابة والشاب السعوديين، يغيب «الأمان الاقتصادي» المرتكز ضمن اركان نظام آل سعود، على النفط الذي كان أصلا من أسباب وصولهم إلى حكم البلاد، وترسيخهم لـ «ابوية» على رعية باتت تعي، إزاء تقلبات أسعار النفط وهيمنة القرار السياسي الأميركي، هشاشة هذا النموذج الاقتصادي، واتجاهه في ظل تعمق ضعفه نحو مزيد من عدم المساواة. وقد يفاجأ بعض القراء الذين يصدقون ما تسوق له بروباغاندا النظام خارج البلاد، عن «رفاهية الشعب»، من الرقم الذي تنقله يماني عن نائب مدير «غرفة التجارة الصناعية بجدة» الذي يؤكد أن 65 في المئة من السعوديين لا يملكون منازل. هكذا يفقد الشباب السعودي ثقته بقدرة بلاده على استيعابه، عنصرا منتجا، وتغيب درجة أخرى من سلم الهوية والانتماء.
هوية ثقافية ضائعة في تفتيت منهجي قوامه التعتيم والضبط المخابراتي، وطموحات اقتصادية يخنقها اعتماد مفرط على النفط، واستلاب القرار لإرادة «الحليف» الأميركي، في ظل نظام يبرر كل ذلك بمكانة الأرض التي يحكمها، في قلب الإسلام، فنتساءل: أين الإسلام من كل هذا؟ وليس المقصود بهذا السؤال الدخول في المتاهات الفقهية والشرعية، لتحليل أو تحريم ممارسات النظام، بل الإشارة إلى ازدواجية الأخير التي تتضح أولا في دعمه للاتجاهات المزعومة الليبرالية في ايران ولبنان مثلا، مقابل تضييقه على حريات شعبه، وثانيا في اعتماده على المذهب الوهابي ركيزة للنظام، مقابل تمويله وتشجيعه لوسائل إعلامية عربية، أقل ما يقال فيها ان ما تعرضه وما تسوق له بعيدان كل البعد، لا عن الوهابية السلفية فحسب، بل حتى عن الجوهري الذي يتفق عليه علماء الاسلام وفقهائه.
والوجه الاول من هذه الازدواجية، لا يعنينا في هذا السياق، فأسبابه واضحة، ومرتبطة بمشاريع النفوذ الاقليمي. أما الوجه الثاني، ففيه من الخطورة ما يهدد الهوية ـ أو الهويات ـ العربية كلها، قد لا يتعدى الواقع السعودي كونه مثالا واحدا عن تجسدها، وإن كاد يكون اكثرها وضوحا وايلاما.
تجيد يماني تصوير هذه الازدواجية بين مشهد «شيخ أعمى مسن يشعر بألم واضح وهو يتحدث مطولا عن الخطيئة الجسدية المحتملة»، ومشهد «فتيات لبنانيات ومصريات يرقصن ويؤدين مشاهد مثيرة تتجاوز أكثر المحتويات تهتكا في الفيديوهات الغربية»، وتضع إصبعها على الجرح الذي يكاد يكون الأعمق في مستقبل الشباب العربي والمسلم: «الجمع بين الدين والاستهلاكية المفرطة». فأي منطق معوجّ هو ذلك الذي يجمع بين قص شعر «المطاوعة الذين يجوبون الشوارع بحثا عن مرتكبي الخطايا» ممن أراد التشبه بالفنان الفلاني (موقع يوتيوب يشهد لذلك)، وبين تمويل النظام الذي يقود أحد وزرائه هؤلاء «المطاوعة»، لمحطات تلفزيونية وحفلات موسيقية تروّج للفنان عينه، ولا يقصّر فيها غير ملابس الفتيات، اللواتي يأخذهنّ الطرب والانسجام إلى الاتجاه نحو المسرح لإمتاع الحاضرين والمشاهدين بأجساد ابتذلت حتى بدّلت حدود الإباحية، رغم رداءة الصوت والكلمة واللحن، بل حتى التصفيق؟
لعلّه بعض من ذلك «الإسلام» الذي برع في التسويق لوجهه الأكثر تورية، سيل من الدعاة «الفضائيين»، يحاولون اقناعنا بأن نستهلك حتى التخمة، ونرضخ حتى الذل، شرط أن نتبع في ظاهر أعمالنا، ما يرضي «آباء الأمة»، تسليما لهم ولا لخالق تتجلى مشيئته قيما تدير تشاركنا الواقع مع الآخر أيا كان، ومعرفة ترقى بهذا الواقع. يضع هذا «الإسلام» الشباب في زاوية شديدة الضيق، ليخرج منها إما في المغالاة باتباع ظاهر العقيدة، ما يأخذه إلى التطرف الذي كثيرا ما ينتج جهاديين (من كل المذاهب الاسلامية)، يسهل على النظام استخدام نموذجهم لتعزيز سطوته وتبرير قمعه، أو في الارتماء بين أحضان الاستهلاك، الذي لا يقل إدمانه خطورة عن إدمان أي مادة مخدرة، وهو النموذج الذي تطمح إلى إشاعته كلّ الأنظمة «الأبوية»، مهما كانت الشعارات الزائفة التي تؤسس فوقها شرعيتها، «الإسلام» بكل أنواعه، أو «الحرية» و«رفاهية الحياة».
ويؤخذ على الدكتورة يماني، انها في مقدمتها، وضعت «الشباب السعودي امام مفترق طرق»، أولها يقود نحو استمرار الحاضر في المستقبل، من تهميش، وفصل جنسي، واستهلاكية، ووأد للإبداع، وثانيها لا يمرّ إلا بتكيّف النظام مع «العصر» على غرار ما كادت تعتبره مثالا يحتذى به في بلاد لان فيها السلفيون بعد إذن ائمتهم، فدخلوا البرلمان! كأن حتمية الإذعان لا تسمح باستقراء البديل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والديني، إلا في نماذج هي أيضا بعيدة كل البعد عن متانة الهوية الجامعة، وحكمة الاقتصاد، والإسلام للخالق لا للمخلوق. وكأن تعدد الرؤوس فوق جسد التفتيت والتعتيم، يحمينا من الغربة ومنهجيتها. وكأن محمدا لم يأت من جزيرة العرب!
