تصريح رجل الدّين السّعودي الشّيخ محمد العريفي، وما أعقبه من ردود فعل ساخنة، أعاد الأنظار إلى ما يحدث داخل أسيجة الصمت وقلاع العتمة. بغير قصد، أعاد الحدثُ المسألة الطائفية إلى الواجهة، بكلّ ما تحمل من إشكالاتٍ وتقاطعات، مع تراجع المشروعات الوطنية الجامعة وفشلها. لقد فجّر العريفي المسكوت عنه، واللا مفكر فيه، وأعاده إلى السّطح، وكشف القناع عن نزق طائفي متجذّر ومستكن في اللاوعي، وكما أعاد النهايات إلى بداياتها. لقد أُستعيد السؤال مجدّداً فيما إذا كان يمكن تجاوز العصبيات والانتماءات الموغلة في الطائفية إلى عصبيةٍ أو انتماء وطني، وفيما إذا كان العريفي يمثل نفسه فقط أم هو نتيجة طبيعية للبنية السياسية والاجتماعية؟ ألا يتماهى ما قاله الداعية «الصحوجي» مع اتجاه ديني مهيمن على مؤسسات رسميّة كالتعليم والقضاء؟ ألا يمثل تعبيراً صادقاً عن الفكر والأيديولوجية التي تتبناها الجهات الرسمية، بدليل التأكيدات التي تتردّد مراراً على لسان أكثر من مسؤول من أن المنهج المعترف به هو المنهج السلفي، وهو وحده المرجعية التي تمنح الشّرعية للسلطة؟
لستُ من الذين يتفاعلون كثيراً مع المقولات المذهبية، أو الانتصار للزعماء والرموز والقادة، كما أنني لستُ معنيّاً بتفاصيل الجدل القديم/ الجديد بشأن أحقية هذه الجماعة أو تلك. من الطبيعي أن أستبعد قراءة الحدث من منظور طائفي أو معالجة «نرجسية طائفية» بأخرى، أو مواجهة «جنون عظمة» بجنون آخر، ما يعني أن ما يمكن أن يأتي في سياق الإدانة لداعية استئصالي ليس تبرئة للاستجابات التي هي في العمق تنحى نحو اتجاه يكرّس النزق الطائفي ولا يلغيه. فمثلما تُدان كلمات العريفي بوصفها استثارة للمكنون الطائفي؛ فإن أي استجابة تتموضع طائفياً هي كذلك موضع إدانة. على أن ما قاله العريفي ليس بجديد، ولا هو وليد لحظته. من هنا فإنّ ما يستحق التصعيد ليس تصريح العريفي بحدّ ذاته، بل ما يكمن خلفه، أي أن ما وراء التصريح هو ما يستوجب الإدانة، ما يؤدي بنا إلى مصارحة مع السّلطة المعرفية والسّياسية ومواجهتها وجهاً لوجه بوصفها المسؤولة المباشرة عن إنتاج هذا الخطاب. ولكن المؤسف أن ردود الفعل تكاد تحْجم عن مقاربة القضية في أبعادها الجوهرية، وتكتفي باستنكار أو احتجاج يحمل في طيّاته موقفاً يراوح بين تعزيز المكتسبات المذهبية واستعراض حجم النفوذ ومزيد من الانحياز، إذ لا مكان أصلاً للحياد.
ما أريد قوله والتأكيد عليه هو ضرورة أن تتجه القراءة إلى دلالات الخطاب وسياقاته وخلفياته، لا إلى ما يُفرزه من مواقف وتجليات. فالخطاب الذي أنتج موقف العريفي هو خطاب مدجّج بتيمات التكفير والإقصاء. التكفير مقولة مستقرّة في بُنيته، لا تدع مجالاً للاختلاف والتغاير، فلا مكان فيه للآخر، سواء أكان الآخر عقدياً أم فكرياً أم سياسياً، فإنه يجب أن يُنفى ويُصادر. يستوي في ذلك الشيعي مع المتصوف والليبرالي مع اليساري، بل حتى السلفي الذي قد يختلف كثيراً أو قليلاً هو معرّض مثل غيره إلى التهمة نفسها. سورة التكفير هذه لا تستثني أحداً، فهي عادلة تماماً مع الآخر، فتارة تتجه إلى الآخر المذهبي كما فعل العريفي، وتارة أخرى تصبّ جام غضبها - وإنْ بشكل موارب - على الآخر الفكري، كما فعل الشيخ البراك الذي أفتى في العام 2008 بكفر الكاتبين يوسف أبا الخيل وعبدالله بن بجاد قبل أن يصدر فتوى مشابهة في العام 2010 ضد روائيين سعوديين كعبده خال صاحب «ترمي بشرر» المرشحة لجائزة البوكر العربية، ورجاء عالم وغازي القصيبي، حيث وصفهم بالرذيلة والفسق وأنهم أعداء للمملكة، وذلك على خلفية ترشيح وزارة التعليم العالي لترجمة مجموعة من أعمالهم. التكفير عند العريفي، كما التفسيق عند البراك، يتسق تماماً مع ما قاله قبلهما الشيخ اللحيدان حين أفتى بقتل مُلاّك الفضائيّات العربية. يُشكل الثلاثة عينة من خطابٍ تكفيري يُراد له أن يكون شمّاعة لتعليق كلّ المشروعات الإصلاحية، وبذريعة أن الواقع ليس مهيئاً للتغير.
بنية الاستبداد ومسؤولية التخلف
مثلما لا يترشّح الواقع التعدّدي عن البُنية الاستبدادية، ولا يمكن أن تعيش رغبة الإصلاح الجذري مع السلطة المطلقة؛ كذلك لا يمكن تبرئة الكيان السّياسي من تكريس خطاب موغل في الإقصاء. فالسّلطة السّياسية - وإنْ كانت إفرازاً طبيعياً للمجتمع - فإنها قادرة على الفعل والتوغّل في عمق المجتمع لإحداث التغيير. إنّ كثيراً من المنعطفات التاريخية التي اجتازتها بعضُ الأمم والمجتمعات كانت نتيجة قرار سياسي، والديانات نفسها لم تسلم من تدخّل السّياسي وتأثيره. يمكنني أن أذكر المأمون والمعتزلة أو المتوكل والحنابلة، كذلك الكنيسة الانجليكانية التي جاءت نتيجة حسم سياسي، أو التشيع الصفوي الذي بشّرت به طلائع القزلباش في إيران، أو المدّ السلفي الذي باركه السياسيون.
هذه الحقائق تُعيد فتح الجدل الذي يدور أحياناً حول تحديد مسؤولية التقدّم أو التخلف في حركة التاريخ، وفيما إذا كانت ترجع إلى السلطة أم إلى المجتمع. في سياق هذا الجدل ثمة انشطار في الثقافة العربية والإسلامية بين منْ ينحي باللائمة على الثقافة «المجتمع» وبين منْ يُحمّل السلطة المسؤولية كاملةً. ويمكن التمثيل على الاتجاه الأول بمسكويه الذي كان اشتغل أساساً على المنظومة الأخلاقية والتي يترشّح عنها السلوك وبالتالي السّلطة السّياسية. فيما يمثل الاتجاه الآخر أبو حيان التوحيدي المعاصر لمسكويه، أو ابن خلدون الذي يصل إلى نتيجة مفادها أن «الناس على دين ملوكهم» أو الكواكبي الذي أرجع كلّ مظاهر التخلف الحضاري إلى الاستبداد وخاصة في بُعده السياسي. ولكن يحدث أحياناً أن تتخلّف السلطة السياسية عن المجتمع، أو يكون الكيان السياسي متأخّراً من الناحية الحضارية والتاريخية عن المجتمع الذي يتقدّمه في السباق التاريخي. هنا تبرز أهمية الإصلاح وتأخذ بعدها الجدلي والديناميكي، وحينئذ يصبح الحديث عن مسؤولية المجتمع ودور الثقافة في تكريس التخلف تبريراً لوضع مصطنع وطارئ وغير شرعي. وهو تبرير يسعى لترويجه عادةً المهرّجون من مثقفي الاستبداد وسلطته التي لا تنفك عن تكرار ديباجة «الواقع الذي لم يتهيأ بعد للتغيير». والغريب أن هؤلاء المثقفين يتواجدون في قلب المطالب السّياسية الترقيعية التي تعزف على نغمة المجتمع المدني والمواطنة وإدانة الفكر الظلامي.
إعادة تشكيل خطاب التكفير
ولكن «السلطة المطلقة مفسدة مطلقة».. قالها أحدهم وهو ملهم بلا شك. والإصلاح لا يلتئم مع السلطة المطلقة، فهما نقيضان لا يقوم أحدهما إلا على حساب الآخر، وتبعاً لذلك فإنّ التغيير والتحديث والتنمية السّياسية وبناء المجتمع المدني.. وكلّ هذه العناوين؛ هي بمثابة اقتلاع كامل لعرش السلطة المطلقة، فأنْ تُحارب الفساد في قلعة الفساد أو أن تستنبت بذرة الحرية في معتقل كبير بحجم الوطن يعني أنك تدعو إلى سلخ الكيان السياسي عن جلده وتستبدله بكيان آخر، وهذا أمر عسير يتطلب «عملية جراحية» وليس مجرد حلول قشرية تسعى إلى تمويه القبح وتأبيد الفساد.
ولكي لا نُسهب كثيراً في كلام تنظيري دعونا نسأل: هل أمكن للعريفي، ومعه البراك واللحيدان، أن يحرّض من دون خوف لو لم يكن مُمثلا داخل السّلطة؟ هل كان بوسعه أن يفعل ذلك فيما لو كانت هنالك مواطنة حقيقية في منطقة تتغافل وتسهو عما يعتمل في داخلها لتدعو إلى حوار أديان في الخارج كأن المسألة الدينية قد حسمت في الداخل أو أنها تعيش في جنة من الأديان والمذاهب المتعايشة؟! عندما ناشد الشيخ الشثري الملك عبد الله بمنع الاختلاط في «كاوست»، كان للإرادة السّياسية إجراء حاسم: إقالته من عمله في جامعة الملك سعود، رغم أن ما قاله ليس فيه أي خطورة ولا يتعدّى خانة حرية الرأي، هذه الإرادة نفسها مطالبة بألا تبدو عاجزة عن وضع حدّ لمسلسل التكفير، رغم أن التكفير بوصفه تحريضاً يُعتبر في خانة الجنايات والجرائم التي يحاسب عليها القانون، وحتى لو توافرت الإرادة السياسية الجادة في لجم نزعات التكفير فستظل ناقصة وغير فعالة مادام التكفير والتعليم الطائفي يجد له حضوراً مكثفا في المناهج الدراسية ومؤسسات التعليم، ولا يقتصر ذلك على المذهب الشيعي وحده، لأن التكفير «في وطني» لا يستثني أحداً. وهو ما يعني أن إدانة تصريح العريفي والبراك واللحيدان وغيرهم تتخذ بعداً حقوقياً جامعاً يشمل جميع الطوائف والأقليات، هكذا يجب أن تقرأ كلمات العريفي وهكذا يجب أن تفهم، فما وراء التصريح ثمة حقيقة مستقرة، هي أن خطاب التكفير يُعاد تشكيله باستمرار.
