حينما اطلق الشيخ محمد العريفي العنان للسانه فنطق بما تكنه نفسه من احقاد وضغائن على كل ما هو شيعي، فوصف الشيعة بأنهم "مجوس" ووصف احد ابرز مراجعهم بأنه فاجر زنديق، كان زاعما لنفسه بأنه يدافع عن بلاد التوحيد، وربما ظن بأنه سوف يكسب سمعة وسهرة.. لكننا لو توقفنا قليلا امام إثارته الطائفية نجده قد اساء الى الحكومة والى المجتمع، والى الطيف الاجتماعي الذي ينطلق منه
ــ فقد اساء الى الحكومة التي تقدم نفسها دولة داعية للسلام، والحوار الوطني، وحوار الأديان، وبذلت الحكومة جهودا كبيرة لدفع الحوار بين الفلسطينيين، وبين الفرقاء في لبنان، ولا تفتأ تفخر بأنها تبنت مؤتمرا لحوار الاديان، كل تلك الجهود جاء هذا العريفي لينسفها نسفا ، فقد ابرزها دولة معادية للشيعة، حينما وجه سهام عدائه الى مرجع الطائفة الشيعية ونال من مقامه ومن تدينه .. وما أدري ماذا سيقول المسؤولون في الدولة اذا ما قوبلوا بإشكال حول شيوع حالات التمييز الطائفي وحالات من الاثارة الطائفية واوردوا شاهدا على ذلك بأن الشيعة يشتمون في صلاة الجمعة، وفي يوم الجمعة، ذلك اليوم الذي تتوحد فيه القلوب نحو بارئها. وما ادري ايضا هل ستقام جولة من جولات الحوار الوطني (وللتو قد انتهت فعالياته في الاحساء) في بلد لا يقدس الحوار، ولا يحترم الرأي الآخر.. وهل سوف تتبنى الدولة مشروع حوار الأديان، وهي لم تنجح بعد في تطوير الحوار الداخلي بين الاطياف المتنوعة؟
ـ كما وضع العريفي ــ برعونته ــ الحكومة في موضع حرج امام ايران والعراق ولبنان، فكلا الدولتين يضمان اغلبية شيعية، ولا أحد يقبل ان ينال مذهبه بشتيمة كالتي قام بها العريفي، ولا أحد يقبل ان ينال احد رموزه بمثل ما قاله العريفي عن السيستاني.. لذلك جاء اعتراض شديد اللهجة من قبل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، ومن مجلس الشورى الايراني، ومن رئيس المجلس الشيعي الاعلى في لبنان، ومن حزب الله في لبنان .. فقد بات الحديث عن الطائفية تهمة الايرانيين والعراقيين واللبنانيين تجاه السعودية، وهي التي ما فتأت صحافتها تتحدث يوميا عن الطائفية التي تمارس ضد السنة وضد العرب، فمن الذي يمارس الطائفية هل الايرانيون والعراقيون واللبنانيون ام السعوديون وعلى راسهم العريفي. فهل الدولة مسؤولة لأن تتحمل تصرفات الخط السلفي وسلبياته لتضعها في موضع لا تحسد عليه، وهي دولة التوحيد وترفع شعار لاإله الا الله.
ــ وما يزيد الأمر حراجة ان مفتي البلاد قام بالدفاع عن العريفي تجاه اعتراض رئيس الوزراء العراقي على ما جرى من تعرض للمذهب الشيعي ولشخص السيد السيستاني ، وكان من ضمن ما اورده فضيلةالمقتي بأن المذهب السلفي السعودي لا ينطق بعبارة الكفر تجاه احد بدون حق، وهي عبارة يفهم منها ان التكفير الذي اطلقه العريفي لم يأت ــ حسب مفهوم كلام المفتي ـ بدون حق..
ــ وقدم العريفي شهادة مزورة أمام العالم بأن المذهب السلفي يحرص على صفاء الاعمال العبادية، وابعادها عما يكدرها ويحدث فيها زيادات ليست منها، فهاهو العريفي في صلاة الجمعة يمارس السب والشتم والاثارة بألفاظ سوقية، لا يمكن ان تقارن بما كان سيقوله الايرانيون في مسيرة البراءة في الحج، الممنوعة رسميا لأنها خارج نص اعمال الحج، وما أدري هل سب الشيعة بات جزءا من صلاة الجمعة وهي عمل عبادي.
ـ لقد وضع الدولة ايضا في حرج مع الشيعة في السعودية، فالمسؤولون يكررون دائما ان التمييز الطائفي ليس من سياسة الدولة، ولايوجد قانون يعطي مواطنا حقا ويحرم آخر من الحق نفسه.. بيد ان الشاهد امام الملايين من الناس ان الدولة اتاحت الفرصة لمواطن يزعم لنفسه انه من اهل السنة والجماعة يشتم الشيعة من خلال منبر رسمي وهو امامة صلاة الجمعة، وكلنا يعرف ان امامة الصلاة في بلادنا منصب حكومي رسمي يتقاضى من يقوم به راتبا شهريا .. الآن ومن خلال المنصب الرسمي انطلق أحد اسهم التمييز الطائفي.
****
ثمة مقارنات برزت على السطح بعد حديث العريفي نورد منها ما يلي:
اولا: نشرت إحدى الصحف المحلية مقالا احتوى كلاما اعتبره احد المطارنة المسيحيين في لبنان اساءة اليه، اضطرت الدولة على الفور لأن تعتذر له من خلال شخص سفير المملكة في لبنان .. والاساءة التي تمت في صحيفة محلية باسم شخص يعبر عن رأيه الشخصي وقد يتحمل رأيه بالكامل، ولم يتحدث ذلك من خلال منصب رسمي .. بينما لم يحصل شيء تجاه اساءة العريفي الذي طال الشخصية الشيعية الأولى في العالم.
ثانيا: على اعقاب احداث البقيع في العام الماضي تحدث احد رجال الدين الشيعة وهو الشيخ نمر النمر عن الموضوع، ولم ينل من مقام احد من العلماء اوالرموزالدينية، لا داخل المملكة ولا خارجها، ولم يتطرق الى اي من الطوائف الاسلامية بسوء، اقصى ما هنالك حذر من حدوث شرخ في الوحدة الوطنية اذا استمرت حالات الفرز المذهبي من قبل بعض المحسوبين على التيار السلفي، ما حدث بعد ذلك ان الشيخ النمر صار مطلوبا لدى الجهات الامنية في البلاد، وتعرضت بلدته بلدة العوامية لوضع غير طبيعي استمر بضعة اشهر، وتعرض بعض افراد عائلته للم.. في المقابل نجد ان العريفي وفي صلاة الجمعة تحدث بحديث ضد الوحدة الوطنية، كونه وصم الشيعة بأنهم مجوس، وشتم احد مراجع الشيعة ووضع البلاد في حرج سياسي مع الآخرين كلنا في غنى عن ذلك، ومع هذا فالعريفي لم يتعرض لأي محاسبة، بل دافع عنه فضيلة المفتي ورئيس هيئة كبار العلماء.
****
وقد اساء العريفي للمجتمع السعودي اساءة بالغة، تتمثل في إنه جاء على النقيض من توجه قطاع واسع من ابناء المجتمع نحو عوامل ومقتضيات الوحدة واللقاء.. فكلنا يعرف ان المجتمع السعودي منذ وقت ليس بالقصير بات عرضة لثقافة من نوع مختلف عن الثقافة التي كان يتغذى عليها في سنوات ماضية، هذه الثقافة تقدس الوحدة وترفع شأن الحوار، وجرت خطوات فهم وتفاهم وتعارف ومعذرة من قبل كافة الاطياف الاجتماعية والثقافية، كان لها كبير اثر على عوام المجتمع.. هذه الثقافة لم يكن يمنع تأثيرها وتوسعها غير الفئات القليلة المتشددة التي تأخذ من الدين وسيرة السلف الصالح مطية لها وعنوانا لطروحاتها الفئوية، وكانت تصطدم مع كافة المشروعات الاصلاحية التي يتبناها المجتمع، وتقف حجر عثرة امام كل فكرة تعطي هذا المجتمع فرصته في الحياة الكريمة، وفي اكثر من مرة تواجه حتى المشروعات الحكومية التي تخدم المجتمع، إنها باختصار فئة معادية للمجتمع، ولا ترغب في مصلحته، ولا تسعى لتقدمه وتطوره..
واذا كان العريفي في وقت سابق متميزا في برامجه الثقافية الموجهة للشباب، وكان الجميع يتوقع ان يكون مثالا لرجل الدين المتنور الداعية الذي يجسد طموحات المجتمع، لكنه بخطابه الأخير وقف ضد المجتمع في توجهه نحو الوحدة والحوار والتفاهم ولم الشمل في بلاد التوحيد.. واذا كنا نلقي باللائمة في المشاكل الطائفية ـ خصوصا في السنوات الاخيرة ـ على تطورات الخارج، كما حدث في العراق او ايران او لبنان، نجد انفسنا اليوم اننا مصدر الفتنة الطائفية، فالذي شتم وسب وأدخل بعض الناس في الدين، واخرج البعض الآخر ليس شيعة العراق، ولا سنة لبنان، ولا زيدية اليمن، وأنما هو رجل دين اسمه الشيخ محمد العريفي الذي طالما أطل بوجهه الوسيم عبر اكثر من قناة فضائية عربية، وهذا الشيخ موظف في الدولة، ومدعوم ـ بكل أسف ـ من اكبر شخصية دينية وهو رئيس هيئة كبار العلماء والمفتي العام للبلاد.
اليس مزعجا ان يقوم هذا العريفي بوضع المجتمع السعودي في وضع مناقض لمباديء الوحدة في الامة الاسلامية وهي بلاد التوحيد؟.
****
وفي الختام لابد لنا ان نعرف أن المسؤول عن هذا الوضع هو الحكومة اولا، ثم المؤسسة الدينية ثانيا، والمجتمع بكافة فئاته ثالثا.. الذي حدث ان المجتمع تحمل مسؤوليته واعلن رفضه لما يقوله العريفي وغيره (من الشيعة والسنة) وكلنا بانتظار الموقف الرسمي تجاه هذا الوضع الطاري.
